لقاء توثيقي مع الحاجة فاطمة بنت محمد بن إبراهيم بن صالح المدهون
إعداد وتوثيق: لجنة المرأة – عائلة المدهون، برئاسة الدكتورة مي المدهون.
ذاكرة لا تزال تنبض بالمجدل
تستعيد الحاجة فاطمة بنت محمد بن إبراهيم بن صالح المدهون، في لقاء توثيقي أجرته لجنة المرأة في عائلة المدهون بإشراف الدكتورة مي المدهون، صورة المجدل عسقلان كما بقيت في ذاكرتها: الأسواق والنسيج والزراعة والبيارات، ثم الرحلة التي حملت الأسرة إلى غزة.
بلهجتها الفلسطينية، تروي تفاصيل الحياة والعمل ومكانة جدها المختار الحاج إبراهيم صالح المدهون، وما تركته الأسرة وراءها من أرض وبيوت، وما عاشته بعد ذلك من لجوء ونزوح.
المجدل… مدينة النسيج والزراعة والأسواق
تصف الحاجة فاطمة المجدل مدينة عامرة بالعمل، يشارك الرجال والنساء في صناعتها وزراعتها، وتقصدها القرى المجاورة للتجارة والتسوق. وتستحضر سوق الجمعة بما كان يعرضه من محاصيل وخضروات واحتياجات الناس.
«المجدل كانت مدينة مشهورة بالنسيج، كل الناس يشتغلون، المرأة تشتغل والزلمة يشتغل، وكل القرى اللي حواليها كانوا ييجوا على المجدل ويسوّقوا منها ويروحوا».
وحين تصفها بأنها «العاصمة على المنطقة هذيك»، تنقل مكانة المدينة في ذاكرة أهلها ومحيطها، بما كانت تجمعه من حركة التجارة والعمل. فمن امتلك الأرض عمل بالزراعة، ومن لم يمتلكها وجد في النسيج وغيره من المهن سبيلًا للعيش.
الأسرة والأرض… ذاكرة الرزق والاستقرار
تذكر الحاجة فاطمة أن الأسرة كانت تمتلك نحو 400 دونم من الأراضي، و37 دونمًا من البيارات، و20 دونمًا من كروم الزيتون، و10 دونمات من كروم العنب، إلى جانب أراضٍ داخل البلدة.
وتستعيد صورة الزيتون الكبير العتيق ووفرة إنتاجه، والبيارات الممتلئة بالبرتقال والفاكهة، والخيل والجمال ومستلزمات الحياة التي كانت جزءًا من معيشة الأسرة.
وتختصر وجع ترك تلك الأملاك بقولها: «كله سبناه وطلعنا».
المختار إبراهيم صالح المدهون… الذي عاد إلى مدينته
تروي الحاجة فاطمة مكانة جدها الحاج إبراهيم صالح المدهون، المختار المعروف بين أهل المجدل، وتستحضر تعلقه بالمدينة وبيته فيها.
«سيدي الله يرحمه، ما هانش عليه يطلع ويدشّر بلده وداره».
وتروي أنه عاد من هربيا إلى المجدل، وبقي فيها بعد خروج بقية الأسرة. ويَرِد في حديثها اسم أخيها أحمد، المعروف بأبي رشاد، واسم أخيها سليم الذي كان يذهب لخدمتهم.
وعندما تتحدث عن مصير جدها، تؤكد: «مات في المجدل، آه». تحفظ هذه الكلمات سيرة رجل بقي مرتبطًا بمدينته حتى وفاته، كما ترويها حفيدته.
طريق التهجير… من المجدل عبر هربيا إلى غزة
تصف الحاجة فاطمة الخوف الذي دفع الأهالي إلى مغادرة بيوتهم واللجوء إلى البيارات والكروم، وهم ينتظرون أن يهدأ الحال ويعودوا بعد أيام قليلة.
«طلعنا من البلد، لا أخذنا فراش ولا أخذنا أواعي ولا أخذنا حاجة».
وتقصد بـ«أواعي» الملابس.
خرجت الأسرة سيرًا على الأقدام إلى هربيا، وأمضت ليلتها هناك، ثم تابعت الطريق بمحاذاة الشاطئ إلى غزة. تحول الرجاء بعودة قريبة إلى حياة طويلة بعيدًا عن البيت والأرض.
بداية اللجوء… من المنزل المستأجر إلى الخيام
تتذكر الحاجة فاطمة إقامة الأسرة في منزل مستأجر عند وصولها إلى غزة، ثم التسجيل لدى وكالة الغوث والانتقال إلى خيام اللاجئين.
«الوكالة سجلت الناس ونصبت لنا خيام، ورحنا قعدنا فيها».
وتروي أن حياة الخيام استمرت أكثر من سنة قبل الانتقال إلى المساكن، في تحول قاسٍ لأسرة كانت تعيش من أرضها وبياراتها وتجد فيها رزقًا واستقرارًا.
الحرفة التي انتقلت مع أهلها
لم تبقَ صناعة النسيج في المجدل وحدها؛ فقد حمل أصحابها مهنتهم إلى غزة، ونصبوا الأنوال في محلات وأماكن جديدة، وواصلوا العمل.
وتستحضر الحاجة فاطمة أيضًا ما واجهه اللاجئون من غربة وصعوبة في الاستقرار. كان انتقال أهل المجدل إلى غزة تغييرًا عميقًا في الحياة الاجتماعية والاقتصادية للعائلات.
من جباليا إلى الشيخ رضوان… نزوح يتجدد
تذكر الحاجة فاطمة سكن الأسرة في جباليا، ثم شراء منزل في الشيخ رضوان، وبناء منزلها الأخير المكوّن من ثلاثة طوابق. وقد فقدت الأسرة هذا المنزل خلال الحرب التي بدأت في 7 أكتوبر 2023 وكانت مستمرة حتى 15 أكتوبر 2026، لتعود إلى الخيام.
«أخريتها قعدنا في الخيم».
بين البيت الأول في المجدل والبيوت التي بنتها الأسرة في غزة، تتكرر تجربة فقدان المكان، وتظل الذاكرة تحمل أسماء الأهل وصور الأرض والحياة التي سبقت الرحيل.
ذاكرة نحفظها للأجيال
يجمع هذا اللقاء شهادة تحمل أسماء وأماكن ومهنًا وصورًا من حياة العائلة، ويبرز دور النساء في حفظ تفاصيل الذاكرة الاجتماعية ونقلها بين الأجيال.
من المجدل إلى هربيا وغزة، ثم جباليا والشيخ رضوان، بقيت الحاجة فاطمة تحمل حكاية الأسرة وأرضها وبيوتها. وتأتي مبادرة لجنة المرأة لتمنح هذه الشهادة مكانًا محفوظًا في ذاكرة العائلة.
شهادات كبارنا ليست مجرد ذكريات، بل صفحات من تاريخ عائلتنا وذاكرة وطننا، تستحق أن نحفظها للأجيال القادمة.
شاهد اللقاء المصوّر
المقطع الأول 0:40
المقطع الثاني 1:35
المقطع الثالث 5:46
المقطع الرابع 0:51
اقرأ أيضًا: سيرة المختار إبراهيم صالح المدهون · أعمال لجنة المرأة لعام 2026